محمد جواد مغنية

130

في ظلال نهج البلاغة

من زمن سحيق يبتدئ بآدم ، والى آخر يوم ، وإبراهيم ( ع ) أعاد ما بدأه السابقون . وكان البيت الحرام وما زال في واد غير ذي زرع ، لا ثمر ولا مطر ، أما طريقه فكان بحارا وجبالا ، والحج اليه متاعب ومصاعب تزيد المؤمن ثوابا ، وتميزه عمن عصى وتمرد . . كانوا يمشون أو يركبون الدواب إلى شاطىء البحر ، ثم يركبون البحر إلى الصحراء ، يقطعونها على الجمال ، ويعانون التعب والخوف من القتل أو السلب ، ويقاسون الجوع والعطش ، والحر والبرد . أما اليوم وبعد السيارة والطيارة فالحج نزهة وسياحة ، ولا شيء فيه للثواب والتمييز والاختبار إلا النية الخالصة ، والتلبية لدعوة اللَّه وحدها ، والشعور بالتوجه والانقطاع اليه تعالى عسى أن يتوب ويغفر . وروي أن النبي ( ص ) أشار إلى ذلك بقوله : « يأتي زمان على الناس يخرج أغنياؤهم إلى بيت اللَّه للسياحة ، وفقراؤهم للتجارة ، وعلماؤهم للسمعة ، وقلة منهم تخرج لوجه اللَّه » . والمراد بالفقراء هنا كل من يتخذ الحج وسيلة للربح والاتجار كالمعرّفين الذين يقودون جماعة من الحجاج بأجر معلوم ، أما العلماء فالمراد بهم أصحاب العمائم الذين ترسلهم الحكومات باسم البعثة لا لشيء إلا للسمعة كما في الحديث . ان بيت اللَّه الحرام أحجار لا تضر ولا تنفع كما قال رسول اللَّه ( ص ) من قبل وقال الإمام وغير الإمام من بعد ، ولكن هذه الأحجار رمز للإجماع على توحيد اللَّه وعبادته ، وشعار لتقديسه وتعظيمه : * ( « وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ ا للهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) * - 32 الحج » . وليس الإسلام بدعا في ذلك ، فكل الأمم والطوائف من بني آدم - لها رموز وشعائر مطهرة مقدسة . ( انظر ما نقلناه في كتاب : « من هنا وهناك » بعنوان زيارة القبور ) . ( ثم أمر آدم ( ع ) وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ) أي ان يحجوا إلى بيت اللَّه الحرام ، وقيل : انه كان خيمة يطوف حولها آدم ، ثم بنّاها ابنه شيث بالحجر والطين ( فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ) إشارة إلى قوله تعالى في الآية 125 من سورة البقرة : * ( « وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً » ) * . ومنتجع إشارة إلى المنافع التي ذكرها سبحانه في الآية 28 من سورة الحج : * ( « لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ » ) * . ( تهوي إليهم ثمار الأفئدة ) إشارة إلى الآية 37 من سورة إبراهيم : * ( « رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ » ) * . ( من مفاوز قفار ) * ( « وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ ) * - 27 الحج » .